الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
359
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
التي هي من صنع السحرة . ومن المعروف أن الطغاة والجبابرة لا يفهمون لغة المنطق والدليل ، ولهذا لم تؤثر عليهم الأدلة والبراهين الظاهرية والقوية التي بينها إبراهيم ( عليه السلام ) على قلوب الجبابرة الحاكمين في بابل حينذاك ، رغم أن مجموعات من أبناء الشعب المستضعف هناك استيقظت من غفلتها وآمنت بدعوة إبراهيم ( عليه السلام ) . ولإيقاف انتشار منطق التوحيد بين أبناء مدينة بابل ، عمد الطغاة الذين أحسوا بخطر انتشاره على مصالحهم الخاصة إلى استخدام منطق القوة والنار ضد إبراهيم ( عليه السلام ) ، المنطق الذي لا يفهمون سواه . حيث هتفوا بالاعتماد على قدراتهم الدنيوية : أن ابنوا له بنيانا عاليا ، واشعلوا في وسطه النيران ثم ارموه فيه قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم . ومن هذه العبارة يستفاد أن الأوامر كانت قد صدرت ببناء أربعة جدران كبيرة ، ومن ثم إشعال النيران في داخلها ، وبناء الجدران الأربعة الكبيرة ، إنما تم - كما يحتمل - للحؤول دون امتداد النيران إلى خارجها ، ومنع وقوع أخطار محتملة قد تنجم عنها ، ولإيجاد جهنم واقعية كتلك التي كان إبراهيم يتهدد ويتوعد عبدة الأوثان بها . صحيح أن كمية قليلة من الحطب كانت تكفي لحرق إنسان كإبراهيم ، لكنهم فعلوا ذلك ليطفؤا غيظ قلوبهم من جراء تحطيم أصنامهم ، وبمعنى آخر الانتقام من إبراهيم بأشد ما يمكن ، لعلهم بذلك يعيدون العظمة والأبهة لأصنامهم إضافة إلى أن عملهم هذا كان تخويفا وتحذيرا لمعارضيهم ، كي لا تتكرر مثل هذه الحادثة مرة أخرى في تأريخ بابل ، لذلك فقد أوقدوا نارا عظيمة . " الجحيم " في اللغة هي النار التي تجتمع بعضها على بعض . هذا ، وقد فسر البعض " البنيان " بأنه المنجنيق ، والمنجنيق - كما هو معروف - أداة لقذف الأشياء الثقيلة إلى مكان بعيد ، لكن أكثر المفسرين انتخبوا التفسير